الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

166

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والخيرات : جمع خير على غير قياس ، والخير : النافع . والمراد بها هنا الطاعات لأنها أعمال صالحة نافعة لعاملها وللناس بآثارها . والباء للظرفية ، أي في الخيرات كقوله : يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [ المائدة : 62 ] . وفي ذكر الخيرات في القسم الآخر دلالة على أنها مرادة في القسمين الأولين فيؤول إلى معنى ظالم لنفسه في الخيرات ومقتصد في الخيرات أيضا ، ولك أن تجعل معنى ظالِمٌ لِنَفْسِهِ أنه ناقصها من الخيرات كقوله : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً أي لم تنقص عن معتادها في الإثمار في سورة الكهف [ 33 ] . والإذن مستعمل في التيسير على سبيل المجاز ، والباء للسببية متعلقة ب سابِقٌ ، وليس المراد به الأمر لأن اللّه أمر الناس كلهم بفعل الخير سواء منهم من أتى به ومن قصّر به . ولك أن تجعل الباء للملابسة وتجعلها ظرفا مستقرا في موضع الحال من سابِقٌ أي متلبسا بإذن اللّه ويكون الإذن مصدرا بمعنى المفعول ، أي سابق ملابس لما أذن اللّه به ، أي لم يخالفه . وعلى الوجه الأول هو تنويه بالسابقين بأن سبقهم كان بعون من اللّه وتيسير منه . وفيما رأيت من تفسير هذه المراتب الثلاث في الآية المأخوذ من كلام الأئمة ، مع ضميمة لا بد منها . تستغني عن التيه في مهامه أقوال كثيرة في تفسيرها تجاوزت الأربعين قولا . والإشارة في قوله : ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ إلى الاصطفاء المفهوم من اصْطَفَيْنا أو إلى المذكور من الاصطفاء وإيراث الكتاب . و الْفَضْلُ : الزيادة في الخير ، و الْكَبِيرُ مراد به ذو العظم المعنوي وهو الشرف وهو فضل الخروج من الكفر إلى الإيمان والإسلام . وهذا الفضل مراتب في الشرف كما أشار إليه تقسيم أصحابه إلى : ظالم ، ومقتصد ، وسابق . وضمير الفصل لتأكيد القصر الحاصل من تعريف الجزأين ، وهو حقيقي لأن الفضل الكبير منحصر في المشار إليه بذلك لأن كل فضل هو غير كبير إلّا ذلك الفضل .